محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

43

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

يلي : تحرير الفكر الإسلامي من الإطار اللاهوتي التأريخي ( بالمعنى القديم لكلمة تأريخ ، وكتابة التاريخ ) . وهو الإطار الذي بلور ونشر أثناء الفترة الكلاسيكية من عمر الإسلام . ثم أصبح متقطعا ، متشتتا ، وفقيرا أو مفقرا عن طريق النزعة السكولاستيكية الإسلامية بعد القرن الثالث عشر الميلادي . ولكن أعيد تنشيطه على هيئة النقل الوصفي ، السردي ، الخطّي ، المستقيم من قبل التبحّر الأكاديمي الاستشراقي . لقد حاولت آنذاك أن أطبّق النظريات الانتربولوجية للعالمين كاردينير ولينتون على دراسة الفكر ، والمجتمع والتاريخ في السياقات الإسلامية منذ أن كانت الظاهرة القرآنية قد انبثقت لأول مرة « * » . وأردت بذلك امتحان مدى نجاح هذه النظريات ، أو مدى صحّتها ومتانتها عندما تطبّق على تراث آخر غير التراث الأوروبي : أقصد التراث الإسلامي . ولا ريب في أن أعمال الغزالي هي أغنى مثل يمكن اختياره من أجل القيام بهذا الاستكشاف النظري الجديد . واليوم ، ما برحت أدافع عن المشروع ذاته ، ولكن مع إجراء بعض التعديلات والتصحيحات الضرورية التي تتطلّبها ( أو تفرضها ) الانتربولوجيا الثقافية والاجتماعية . وأجد نفسي هنا مضطرا ، مرة أخرى ، إلى أن ألفت الانتباه إلى الموقف الاحتقاري الذي وقفه المستشرقون من أي محاولة تجديد منهجية قد أقوم بها . إنهم يزدرون المناقشات النظرية والابستمولوجية التي قد تؤثّر في القواعد الأرثوذكسية ، الأكاديمية ، الراسخة التي فرضوها على مجال الدراسات الإسلامية . فلم تظهر أي دراسة عن الغزالي أو عن أي مفكّر آخر من حجمه ضمن الخط الذي أريده . لم تظهر أي دراسة تتحدّث عن المقصد الفكري والصلاحية العلمية المحتملة للإشكاليات الجديدة والمفاهيم المصطلحية والمنظورات المعرفية الواردة في مقالتي تلك . ولهذا السبب ، فإن المرء يأسف لأن علماء الإسلاميات الغربيين ( أو المستشرقين ) الذين اعتادوا على نقد النزعة المحافظة لدى المسلمين الخاضعين لهيبة تراث غير منقود ( أي الخاضعين للتقليد ) ، يفعلون الشيء نفسه تماما عندما يتحدثون عن أشياء تخص الإيمان . إن هذه الممارسة « العلمية » لا تزال تؤخّر المحاولات التجديدية للمفكّرين المسلمين أو تحرفها عن مقصدها . أقصد أنها تؤخّر

--> - . 251 - 233 . . pp 1984 ، edition e 3 ، islamique . Paris pensee la sur Essais : In ، ( ( Gazali * كان الباحث الفرنسي مايكل دوفرين M . Dufrenne قد نقل إلى الفرنسية نتائج أعمال عالمين كبيرين من علماء الأنتربولوجيا الثقافية في أمريكا وهما : أ . كاردينير A . Kardiner ور . لينتون R . Linton ، وذلك في كتابة : الشخصية المتوسطة ( أو الشخصية القاعدية ) ، Paris ، base de personnalite La 1966 ، . . P . U . F ثم طبّق أركون المصطلح نفسه على الشخصية الإسلامية من خلال تحليله لأعمال الغزالي . والمقصود بهذا المصطلح أن كل ثقافة أو كل مجتمع يشكّل شخصية مشتركة لدى جميع أفراده . لا يعني ذلك أنهم جميعا متماثلون ، وإنما يعني أن هناك سمات مشتركة للشخصية الإسلامية ، أو للشخصية الفرنسية ، أو للشخصية الصينية ، إلخ . وهذا ما نقصده عندما نقول : فرنسي متوسط ، أو عربي متوسط ، أو أمريكي متوسط ، إلخ .